مؤيد الزعبي
يبدو أننا نعيش السنوات الأخيرة من عمر الإنترنت بالشكل الذي عرفناه منذ ثلاثة عقود، فالشبكة التي بُنيت على الصفحات والمواقع والمحتوى ها هي اليوم تقف على أعتاب تحول جذري سيُغيّر طبيعتها ووظيفتها ودور الإنسان فيها، فلم يعد الإنترنت مجرد مستودع ضخم للمعلومات المنتثرة على الصفحات والمدونات ووسائل التواصل، بل يتجه ليصبح كيانًا ذكيًا قادرًا على التفكير والتحليل والتوليد؛ شبكة جديدة لا تعرض ما تمتلكه من محتوى وبيانات، بل تصنع المحتوى ذاته وتُجيب حسب احتياجات كل مستخدم وسياقه، هل تجد هذا الأمر مثيراً لك عزيزي القارئ أم تجده مخيفاً لمؤسسات وكيانات أساس تواجدها وقوتها على صفحات الإنترنت.
الذكاء الاصطناعي التوليدي هو الذي يقود هذا التحول وينقلنا من نموذج الإنترنت التفاعلي المعروف بـ Web2 إلى نموذج أكثر تطورًا وعمقًا يطلق عليه الخبراء "الإنترنت الذكي" أوWeb4، ففي الإنترنت القديم كان المستخدم يبحث ويتصفح ويقرأ ويختار من بين صفحات متعددة ليجد ضالته، أما في الإنترنت الذكي فلم يبقى هناك حاجة إلى البحث التقليدي كما عرفناه، محركات البحث بشكلها الحالي ستختفي، ولماذا نستخدمها طالما هناك محرك بحث يبحث لك عن المعلومة ويفصلها على مقاسك ويقدم لك تلخيصاً وشرحاً، محركاً قادراً على الاستماع وفهم متطلباتك ويقدم لك نتائج دقيقة وعميقة قام باستنباطها من ربط المعطيات وتحليلها دون المرور دون المرور بسلسلة من الروابط والصفحات والنتائج الإعلانية والمصادر المتضاربة، وبعد أن يظهر النتائج تستطيع أن تناقشه فيها وتتأكد من مصادرها، لا بل ويقترح عليك مواضيع وأبواب لتطرقها أكثراً عمقاً وفلسفتاً، قل لي عزيزي القارئ لماذا سنستخدم محركات البحث التقليدية ونتصفح صفحات جامدة طالما هناك شات جي بي تي وجيميناي وديب سيك.
اليوم لم يعد المستخدم يبحث عن "صفحة" بل عن "إجابة"، ولن يطلب معلومة بل سيطلب حلًّا أو تحليلاً، والإنترنت سيتحول من منصة عرض معلومات إلى عقل تفاعلي يقدم توصيات ونتائج مخصصة لكل فرد حسب حاجته وطبيعته وشخصيته ووظيفته، وهنا أجد أن هذا التخصيص العميق سيؤدي إلى تحوّل كبير في مفهوم الحقيقة نفسه؛ إذ ستتراجع فكرة "الإجابة الصحيحة" لصالح "الإجابة الأنسب"، بمعنى آخر سيصبح كل إنسان يرى نسخته الخاصة من الحقيقة وفق ما يراه الذكاء الاصطناعي مناسبًا لهذا الشخص، وهي نقلة قد تبدو مفيدة في ظاهرها، لكنها تحمل تأثيرًا مباشرًا على الرأي العام، والإعلام، والحوار السياسي والمجتمعي، وحتى تشكيل القيم الأخلاقية والمجتمعية.
ومع صعود هذا النموذج الجديد، تظهر تحديات غير مسبوقة، فالتحكم في نماذج الذكاء الكبرى يعني التحكم في المعرفة البشرية نفسها، وإذا أصبحت قلة من الشركات هي التي تُصمّم هذه النماذج وتديرها، فإن الاحتكار سيأخذ بُعدًا معرفيًا لا اقتصاديًا فقط، كما ستصبح هذه المنصات أو الشركات أكثر قدرة على التلاعب بالوعي العام، لأن التأثير لن يكون عبر محتوى ظاهر، بل عبر توصية ذكية موجهة لا يشعر بها المستخدم، وعندما يختلط المحتوى الحقيقي بما يولده الذكاء الاصطناعي يصبح من الصعب التفريق بين المصدر الأصلي وما أُنتج آليًا، فتتسع فجوة الثقة في كل ما يصل إلى الإنسان عبر هذه الشبكة.
الانتقال من كوننا مستخدمين للتقنية إلى مشاركين في صناعتها لم يعد ترفًا على الحكومات، بل ضرورة لحماية الوعي العام والهوية الثقافية، وهذا يتطلب الاستثمار في بناء نماذج لغوية عربية أو محلية كبرى تعكس الثقافة والسياق المحلي، ووضع تشريعات واضحة للبيانات والخصوصية والشفافية، وتطوير بنى تحتية قادرة على دعم الذكاء الاصطناعي المتقدم، كما تحتاج المؤسسات التعليمية والإعلامية إلى إعادة تعريف دورها في زمن تنتج فيه الآلات جزءًا كبيرًا من المعرفة وهناك قد نتساءل عن دور المدرسة الذي سيتراجع أمام خوارزميات تشكل العلم والوعي والمعرفة، وكيف هو حال الإعلام في وقت تكون فيه هذه النماذج قادرة على توليد ألف خبر وألف محتوى في ثانية، أمور كثيرة ستتغير مع هذا الإنترنت الجديد.
إن ما نقترب منه ليس مجرد نسخة جديدة من الإنترنت، بل تحول حضاري كامل يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والمعلومة، فقد كنَّا نبحث عنها في الكتب ومن ثم في الإنترنت التقليدي، أم القادم فالإنترنت هو من سيبحث لنا عنها ويشكلها كيفما نطلب ونحب، وهنا يجب أن نعلم عزيزي القارئ أن الإنترنت الذكي قد يصبح أداة عظيمة للنهضة البشرية إذا أحسنا استخدامه وتنظيمه فهو سيختصر لنا الوقت للوصول للمعلومة وتحليلها وربطها، وفي المقابل قد يتحول إلى أخطر أداة لتوجيه العقول إذا تُرك بلا ضوابط، وفي هذه الحالة ستكون العواقب وخيمة، وبين هذين الاحتمالين يبقى السؤال الأهم؛ في ظل كل هذه السهولة للوصول للمعلومة أو انتاجها هل سيبقى هناك حاجة لعقولنا، أم أنها سيتضاءل حجمها حتى تختفي ونصبح أكثر غباءً أما شبكات الانترنت الذكية، سؤال يحيرني عزيزي القارئ، ربما لديك أنت الإجابة الخاصة بك.
